لبنان خلاف الحريري- جنبلاط: “قلوب مليانة”!

لبنان خلاف الحريري- جنبلاط: "قلوب مليانة"!

فوجئ الوسط السياسي بالتدهور السريع للعلاقة بين الرئيس سعد الحريريوالنائب السابق وليد جنبلاط، خصوصا أن الأخير قبل يومين من ولادة الحكومة أوْلم على شرفه في حضور السفير المصري لدى لبنان نزيه النجاري والوزيرين الحالي وائل أبو فاعور والسابق غطاس خوري. الاّ أنه، وبحسب أوساط مطلعة على العلاقة بين الرجلين، فان وساطة السفير المصري للحدّ من التشنج بينهما لم تصل الى نتيجة.

وتشير صحيفة “الشرق الأوسط” في هذا الاطار الى ان الآراء حول الأجواء التي سادت لقاء العشاء بينهما تباينت فبعضها يقول إنها كانت عادية ولم يتخللها أي خلاف يمكن أن يؤسس لتصاعد التوتر بينهما، فيما البعض الآخر يؤكد أنهما تبادلا العتاب من دون أن يتسبب بافتراقهما الذي ترتّب عليه قيام جنبلاط بإرسال رسالة شخصية إلى خوري بعد أقل من ساعة من انتهاء اللقاء.

وقيل في حينها إن رسالة جنبلاط إلى خوري ومنه إلى الحريري كانت شديدة اللهجة وبقيت محدودة التداول، وفيها اتهام مباشر بأنهم يعيدون “المختارة” إلى ما كانت عليه إبان عام 1958. والمقصود بهذا التاريخ بدء الثورة آنذاك على الرئيس الراحل كميل شمعون.

كما قيل إنه غمز من قناة الحريري متهماً إياه بقلة الوفاء، إضافة إلى أن هذه الرسالة أُتبعت بتغريدات لجنبلاط هاجم فيها تلزيم معمل دير عمار لتوليد الطاقة وإعادة تأهيل مصفاة طرابلس؛ وإنما بالتراضي. ناهيك باتهام أوساط مقربة من جنبلاط، الحريري، بأنه حاول انتزاع وزارة الصناعة من حصة “التقدّمي” وأن تكون بديلتها حقيبة الإعلام أو التنمية الإدارية، وأن جنبلاط لوّح بعزوفه عن الاشتراك في الحكومة في حال أُخذت منه حقيبة الصناعة.

اندلاع المواجهة
وبحسب المعلومات لـ”اللواء”، فإن أي اجتماع “اللقاء الديمقراطي” لم يكن مقرراً أمس الأحد، لكن مجرّد الدعوة إلى أن اجتماعاً استثنائياً سيعقد في الخامسة من غروب أمس في كليمنصو، أوحى للمتابعين، بأن الاجتماع سيكون على مستوى كبير من الأهمية، خاصة وان جنبلاط الأب حرص على ان يحضره شخصياً، من ثم أعلن ان هناك أحادية في تشكيل الحكومة، وشبه غياب لمركز رئاسة الوزارة بحسب اتفاق الطائف، لافتاً إلى ان المؤتمر الصحفي الذي عقده وزير الخارجية جبران باسيل بدا وكأنه يضع الخطوط العريضة للبيان الوزاري من دون استشارة أحد، معتبراً بأن هذا الأمر يطعن بالطائف الذي كان دائماً يوضع على طاولة مجلس الوزراء، لكنه هذه المرة لم يوضع، وهذا لعب بالنار ويؤدي إلى خلل كبير في البلد، ولسنا مستعدين ان نقبل بهذا الخلل.

ثم رفع جنبلاط من حدة تحامله على الحريري، عندما سأله: “أين الطائف الذي بناه ابوك واستشهد من أجله؟ إلا انه استدرك انه لا يتهم أحداً، لكنه يريد ان يعلم أينالطائف واين البلد ذاهب، مشيرا إلى ان وفداً من “اللقاء الديمقراطي” سيزور الرؤساء الثلاثة لسؤالهم إلى أين الطائف، متمنياً على رئيس الوزراء ان يقدم جواباً واضحاً.

وفي أوّل تعليق له على توزير صالح الغريب لشؤون النازحين السوريين، قال جنبلاط: “التحالف الجديد المضاد فرض وزيرا لشؤون اللاجئين لونه سوري”، متعهداً بأنه “سيقوم بمعركة لأننا لن نتخلى عن حماية اللاجئين السوريين في لبنان، ولن ننجر إلى رغبة الفريق السوري في الوزارة بإرسالهم بأي ثمن إلى المحرقة والسجون وإلى التعذيب في سوريا”.

الردّ لم يتأخر
وحيال هذا الاتهام المباشر، كان من الطبيعي ان يرد الحريري على جنبلاط باللهجة نفسها، لكنه الرد الذي شاء الحريري أن يأتي على لسان رئاسة مجلس الوزراء، لم يشر إلى كلام زعيم المختارة مباشرة، الا انه وضعه في خانة “محاولة غير بريئة للاصطياد في المياه العكرة، والتعويض عن المشكلات التي يُعاني أصحاب هذا الكلام والتنازلات التي كانوا أوّل المتبرعين في تقديمها”، في إشارة إلى تنازل جنبلاط عن تسمية الوزير الدرزي الثالث.

وشدّد بيان المكتب الإعلامي للحريري على أن رئاسة مجلس الوزراء مؤتمنة على الطائفة وعلى الصلاحيات التي اوكلها إليها الدستور، وانها “لن تكون مكسر عصا أو فشة خلق لأحد، وهي لا تحتاج إلى دروس بالاصول والموجبات الدستورية من أي شخص، ولن يكون من المجدي لأي كان تزوير الوقائع، لا سيما ما يتعلق باعداد البيان الوزاري والايحاءات التي تحاول تعكير المسار الحكومي بدعوى العمل على تصحيح الاوضاع”.

أساس الأزمة
تشير مصادر متابعة عبر “اللواء” الى ان الاشتباك بين الحريري وجنبلاط كان متوقعاً ومحسوباً، نتيجة الملابسات التي رافقت مفاوضات تشكيل الحكومة، ولا سيما في اليومين الأخيرين اللذين سبقا صدور المراسيم، حيث رفض رئيس الحزب الاشتراكي وليد جنبلاط التخلي عن حقيبة الصناعة لتعويض ما يريده “التيار الوطني الحر” من وضع يده على وزارة “البيئة” والتي كانت من حصة الرئيس نبيه برّي.

يومذاك لم يشأ لا جنبلاط ولا الرئيس الحريري، ان يعملا مشكلة من هذه الحقيبة، خاصة وان الحريري نجح في إقناع رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع بأن يتخلّى عن الثقافة للرئيس برّي مقابل التنمية الإدارية “للقوات”، وحرص الرجلان: الحريري وجنبلاط في ان يسلطا الضوء على ما يواجهانه من حملات وضغوط سياسية عليهما، على خلفية احداث الجاهلية والتحالفات المستجدة بين خصوم الأمس داخل الطائفة الدرزية، والتي تبقى في تقدير مصادر سياسية، في خلفية العوامل الأساسية التي دفعت بجنبلاط إلى شن هجومه العنيف على الحريري، واضعاً الوزير جبران باسيل منصة لاطلاق النار من خلاله على رئيس الحكومة، في توقيت اختار ان يكون غداة صدور مراسيم تشكيل الحكومة لاعلان معارضته السياسية للعهد من داخل الحكومة وخارجها.

وأشارت صحيفة “الأخبار” الى ان الحريري ارتكز في ردّه إلى التنازل الذي قدّمه جنبلاط حين تراجع عن موقفه المطالب باحتكار الوزراء الدروز في الحكومة وقِبَل بتسمية عون للغريب، برعاية النائب جميل السيد، الأمر الذي سبب أيضاً امتعاضاً لدى بري. فيما يقول الاشتراكيون إن تنازل جنبلاط جاء بعد معلومات عن أن الحريري كان قد عقد اتفاقاً مع عون للسير بالحكومة من دون حزب القوات اللبنانية وعزل جنبلاط، في مقابل الاتفاق على التعيينات الشاغرة واتفاقات مالية أخرى.

وقالت مصادر في “اللقاء الديموقراطي” لـ”الحياة”  إن فتور العلاقة بين الجانبين كان بدأ خلال المداولات حول الحكومة حيث انزعج جنبلاط من طلب الحريري إليه أكثر من مرة التخلي عن حقيبة الصناعة، لمصلحة رئيس المجلس النيابي نبيه بري بديلا من البيئة التي أراد رئيس “التيار الوطني الحر” الوزير جبران باسيل الحصول عليها. لكن جنبلاط رفض، حسبما أوضحت مصادر “اللقاء الديموقراطي”، وانتقد في مجالسه إصرار الحريري على تلبية مطالب غيره على حسابه، في وقت يتقصد الوزير باسيل دعم التحركات القائمة في الجبل ضده وخصوصا من النائب طلال أسلان. وترى مصادر “اللقاء” أن “جملة مؤشرات تدل على محاولات تطويق “الاشتراكي” وأنه سيخوض المواجهة السياسية لهذه المحاولات، فضلا عن التباينات في التعاطي مع تلزيمات بعض المشاريع التي أثارها جنبلاط في تغريداته الأخيرة معتبرا أنها تخالف الأصول”.

وفي المقابل، نقت مصادر “المستقبل” عبر “الشرق الأوسط” أن يكون الحريري طلب من جنبلاط التنازل عن وزارة الصناعة، وتقول إنه صارحه في أحد اللقاءات بقوله: “إنك تنتقد دور وزارة الثقافة في الحفاظ على البيوت التراثية، خصوصاً في بيروت، وأنا أطرح عليك أن تفكر بأن تكون هذه الوزارة من حصتك لقاء التخلي عن وزارة الصناعة”.

وتضيف المصادر نفسها أن الحريري ترك القرار النهائي في هذا الشأن لجنبلاط، ثم عاد عن طلبه في ضوء استجابة رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع لرغبته في استبدال الثقافة بواحدة من الحقيبتين الإعلام أو التنمية الإدارية، فما كان منه إلا أن وافق على أن تُسند الأخيرة إلى الوزيرة مي شدياق.
وتلفت المصادر إلى أن الحريري وإن فضّل عدم الدخول في سجال مع جنبلاط، فإنه لن يقبل بعد الآن أن يكون “مكسر عصا” توجّه إليه الانتقادات ثم يتراجع جنبلاط عن بعضها في وقت ولاحق.

كما أن جنبلاط يأخذ في مجالسه الخاصة على الحريري أنه يراعي رئيس “التيار الوطني الحر” الوزير جبران باسيل إلى أقصى الحدود، وأن هذه المراعاة دفعته إلى التصرُّف على أنه واحد من “الرؤساء”، إضافة إلى رئيس الجمهورية ميشال عون والرئيس المكلف سعد الحريري، وتعود له اليد الطولى في تشكيل الحكومة؛ ومن ثم في تعيين الوزراء.

كما أن “التقدمي” يتوجّه باللوم إلى الحريري آخذاً عليه أنه عقد صفقة مع باسيلوأن هذه الصفقة جاءت لمصلحة الأخير في تحقيق ما يطمح إليه.

لكن القشة التي قصمت ظهر البعير وأخذت العلاقة يبن خليلَي الأمس إلى حافة الانهيار، كانت إسناد وزارة المهجّرين إلى القيادي في “التيار الوطني” الوزير الكاثوليكي غسان عطاالله مع أنه رسب في الانتخابات النيابية الأخيرة عن المقعد الكاثوليكي في دائرتَي الشوف – عاليه في وجه منافسه النائب نعمة طعمة العضو في “اللقاء الديمقراطي”.

وفي هذا السياق، تعدّ مصادر “التقدمي” أن تسليم الحريري بإسناد حقيبة المهجّرين إلى مرشّح راسب في الانتخابات من بلدة بطمة الشوفية، يشكّل حالة استثنائية، لأنه من غير الجائز أن تُسند هذه الوزارة إلى عطاالله وحده من الوزراء في الحكومة ممن خاضوا الانتخابات النيابية ولم يحالفهم الحظ.

كما أن تسمية وزير الدولة لشؤون النازحين صالح الغريب عضواً في اللجنة الوزاريةلصياغة البيان الوزاري تشكّل ظاهرة غير مسبوقة؛ إذ إنها للمرة الأولى منذ أكثر من 3 عقود تضم لجنة من هذا القبيل وزيرين عن الدروز.

ومع أن وزيري “اللقاء الديمقراطي” في الحكومة أكرم شهيّب ووائل أبو فاعور لم يعترضا على ضمه إلى اللجنة بطلب مباشر من باسيل رغم أنه محسوب في آن واحد على “التيار الوطني” والنائب طلال أرسلان، فإن إحجامهما عن التدخُّل يعود إلى رغبتهما بعدم افتعال مشكلة توحي للبعض بأنها خلاف درزي – درزي رغم أن باسيل تصرّف كأنه نجح في كسر أحادية التمثيل.

لذلك، فإن جنبلاط، الذي كان أسهم في حل مشكلة التوزير الدرزي في إيداعه رئيس الجمهورية لائحة بأسماء مرشحين لاختيار الدرزي الثالث من خارج حصة “اللقاء الديمقراطي”، فوجئ برد الجميل السلبي له مع أن رئيسَي المجلس نبيه بري والرئيس المكلف في حينها وقفا منذ اللحظة الأولى إلى جانب رئيس “التقدمي” الذي أبدى حسن نية لتسهيل ولادة الحكومة بلا أي مقابل.

القضية أبعد من الحكومة
الاّ أن مصادر السياسية تشير الى ان الخلاف بين الحريري وجنبلاط يعود بالأصل الى قضية الضابط وائل ملاعب الذي وضعه مدير عام قوى الأمن الداخلي اللواء عماد عثمان بتصرف الديوان، حيث أكد جنبلاط أنه مع القانون لكنه تمنى على مدير عام قوى الأمن الداخلي اللواء عماد عثمان إزالة كل الفساد في مديريته، وأن يكون التحقيق مع ملاعب شفافاً، ودعاه “إذا استطاع، إلى ضبط الفضائح الكبرى في مطار بيروت، حيث هناك توازنات إقليمية ربما”.

وكان المدير العام لقوى الأمن الداخلي اللواء عماد عثمان، أصدر قراراً قضى بإقالة 5 ضباط في المؤسسة ينتمون إلى كلّ الطوائف من مراكزهم في ملفات فساد متهمين بارتكابها، ووضعهم بتصرّف ديوان المدير العام، وأعطى الإذن للنائب العام الاستئنافي في جبل لبنان القاضية غادة عون للبدء بملاحقتهم قضائياً، بجرائم تتعلق بالفساد وقبض رشاوى وتسهيل أعمال شبكات الدعارة، ومساعدة مطلوبين للقضاء على الفرار وحمايتهم من القبض عليهم.

وهاجم جنبلاط القرار بحق الضابط ملاعب، قائلاً: “ينتقمون منّا بإزاحة العقيد وائل ملاعب، لكنهم يعجزون أمام فوضى المطار والمصالح المتعددة”.

لكن مصادر مقربة من اللواء عثمان، وتوضيحاً للمغالطات بشأن موضوع إعطائه الإذن بملاحقة عدد من الضباط المشتبه في تورطهم في ملفات فساد، أوضحت لـ”الشرق الأوسط” أن توقيت إحالتهم لا علاقة له بقريب أو من بعيد بالسياسة بل خلافا لذلك هو لمنع استغلال هذا الموضوع من أي طرف سياسي بوجه طرف آخر، وأن التوقيت مرتبط فقط باكتمال عقد المؤسسات مع تشكيل الحكومة الجديدة، خاصة أن الجميع يعرف التجاذبات التي رافقت عملية التأليف. وشددت المصادر على أن موضوع المحاسبة في قوى الأمن سيستمر ضمن مبدأ الثواب والعقاب للنهوض بهذه المؤسسة إلى مصاف المؤسسات الحديثة.

الخلافات مستمرة في أكثر من ملف
الاّ أن الخلافات بين الطرفين لم تقف عند هذا الحد، فبالنسبة إلى تلزيم الكهرباء، تقول المصادر في “المستقبل” لـ”الشرق الأوسط” إن التلزيم تم بقرار اتُّخذ في مجلس الوزراء قبل استقالة الحكومة السابقة، وإن ممثلي “اللقاء الديمقراطي” في الحكومة وافقا على هذا القرار، فيما يوضحان بأن موافقتهما جاءت مشروطة بالعودة إلى مجلس الوزراء؛ وهذا ما لم يحدث.

وعليه، فإن المسار الذي ستبلغه علاقة الحريري بجنبلاط الآن موضع مراقبة لمعرفة الاتجاه الذي ستسلكه، وما إذا كانت الجرة انكسرت بينهما، أم إن المساعي لأصدقاء مشتركين ستؤدي إلى إعادة ترميم العلاقة، وصولاً إلى تبديد “قلق” جنبلاط حيال الأجواء التي سادت عملية تأليف الحكومة والتي عكست اختلال ميزان القوى في داخلها لتحالف محور الممانعة و”التيار الوطني”؛ هذا في حال أن الأخير ومعه رئيس الجمهورية لن يقوما بخطوات تؤشر إلى تمايزها عن هذا المحور.
وبالتالي فإن تركيبة الحكومة أدت إلى ترجيح كفة الآخرين، وهذا ما يخشاه جنبلاط الذي كان يتم التعامل معه على أنه “بيضة القبّان” في حسم الخيارات السياسية، بعد تغير موازين القوى إثر الانتخابات النيابية الأخيرة.

قد يعجبك ايضا